ابو القاسم عبد الكريم القشيري

91

شرح الأسماء الحسنى

فصل كيف تعظم ربك وتعظيم العبد لربه على حسب كماله ومعرفته ، ولو كنت تعرف قدره لما كنت تترك أمره ، ولو تحققت اطلاعه عليك ، وقربه منك ، وسماعه لخطابك ، ورؤيته لأحوالك ، لما جعلته أهون الرائين إليك ، ولكن يستخفون من الناس ولا يستخفون اللّه وهو معهم ، وليس العجب من إخوة يوسف حيث باعوه بثمن بخس دراهم معدودة ، وإنما العجب ممن باع نصيبه من ربه بحظوظ هي في الحقيقة مفقودة ، وإن كانت لذات ساعات بل لحظات موجودة إلا أنهم لو عرفوا قدر يوسف لما باعوه بثمن بخس ، ولكنهم وقعوا على ما صنعوا يوم وقفوا بين يديه في مقام الخجلة ، وخروا له سجدا بدلا من التمكن على بساط الوصلة ، قال اللّه سبحانه : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ( يوسف : 100 ) . وهذا جزاء من لم يعرف قدر نسيبه « 1 » ، فما ظنك بجزاء من لم يعرف قدر حبيبه ، وقد حكى أن المهلب بن أبي صفرة مر يوما في موكبه فطرق سمعه أن رجلا قال : ترون هذا لا يساوى أكثر من خمسمائة درهم ، فلما رجع المهلب إلى منزله بعث رجلا يعرف ذلك الرجل ، وبعث إليه معه خمسمائة درهم وقال : قل له هذه قيمتنا التي قومتنا بها ، ولو زدت زدناك ، فخجل الرجل من صنعه ، قال اللّه سبحانه : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها فمن رضى عنا بدنياه عجلنا له فيما هواه وأوصلنا إليه

--> ( 1 ) أي قريبه في النسب كالأخ والأب .